جواد على

104

المهدي المنتظر عند الشيعة الإثني عشرية

أنشأت سامراء بوصفها مستعمرة عسكرية للأتراك ، وذلك حتى لا يعاني سكان بغداد ، فيما قيل ، من عبث الجنود الأتراك وتعسفهم « 29 » . كان الجيش التركي منذ البداية ضد الشيعة وأئمتهم . وبعد انقراض الأئمة ، لم يعد هناك من سبب لوجود السفير الأول في سامراء ، فانتقل إلى بغداد وأقام بجانب الكرخ ، الذي لا يكاد يسكنه غير الشيعة « 30 » . وأصبحت بغداد الآن مركز الحركة الشيعية والناحية المقدسة ، التي كان الشيعة يحملون المال إلى السفير فيها من مراكز بعيدة ويقدمون له أسئلتهم . كما كان جعفر يطمح إلى منصب الإمام ، كذلك كان الشريعي الحسن أبو محمد قد سبب للسفير الأول مصاعب كثيرة ، فقد كان الشريعي يصف نفسه بأنه سفير . وكان في وسعه أن يحتج أيضا بأنه كان صديقا حميما للإمام العاشر والحادي عشر ، ولذلك فمن حقه المطالبة بمنصب السفير . ولكن الشيعة رفضوه ولعنوه في أحد التواقيع « 31 » وجدد الحرمان السفير الثالث مرة أخرى « 32 » . ولعل السفير الأول كان يخفي نشاطه الوظيفي عن الحكومة ، وهو إجراء كان بارعا فيه حتى إن الأخبار عنه كانت قليلة جدا . فنحن لا نعرف الوسائل التي كان يستعملها لمكافحة أعدائه في الداخل والخارج . كانت أسئلة الشيعة وأجوبة السفير قد جمعت في وقته ، جمعها على سبيل المثال عبد الله بن جعفر الحميري وآخرون ، ولكن معظمها ضاع للأسف ، ولم يبق منها سوى القليل في الكتب ، التي تتناول بموضوع الغيبة . وقد جمع السفير الثاني ، وهو ابنه ، أيضا أقوال أبيه ، على أن هذه المجموعة لم تصلنا هي الأخرى « 33 » .

--> ( 29 ) ابن خلكان 578 . ( 30 ) ياقوت ، ج 3 ، ص 14 وما بعدها . ( 31 ) نفسه ج 4 ، ص 225 . ( 32 ) الغيبة 258 . ( 33 ) نفسه 268 / 269 .